مصطفى لبيب عبد الغني

184

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

أصولا خمسة أزلية لوجود الموجودات ويلزمها القول بقدم العالم وإبطال العناية والغائية ؛ كما أن هذه الفلسفة تزعم أن الهداية رهنّ بيقين العقل الخالص فلا ترى للتوفيق بين المعقول والمنقول مناسبة أو أصلا وتنتحل مذاهب خبيثة بعيدة عن روح الدين وعن قضاء العقل على حد سواء . وأخذ على الرجل - بين ما أخذ - ثقته المفرطة في غزارة علمه ورجاحة عقله وجودة حدسه وتصريحه بتفوقه على كثير من صفوة الحكماء ! وهي ثقة كانت مستهجنة وغريبة على العموم عند مفكري العصر الوسيط « 1 » . * * * ويبلغ الشطط بخصوم الرازي - والإسماعيلية منهم على الخصوص - مبلغه فيغمط الرجل العظيم حقه ويخبو ضياؤه ويأفل نجمه وتطوى أسفاره النفيسة في غيابة النسيان - اللهم إلا النذر اليسير . ولعلنا نوفّق في استدراك بعض ما أغفله أو تغافل عنه أولئك الخصوم ؛ - إنصافا لعبقريته وتصويبا لخطل الزعم الشائع عنه ، وتبيينا لحقيقة ما قد يظهر في فلسفته من جرأة وغرابة في زمانها - تدفع الباحث إلى دراستها وتفهمها وتلمس ما فيها من شذوذ وخروج على المألوف هما من دواعي الإعراض عنها والتنفير منها كما أنهما في الوقت نفسه من وسائل الترغيب فيها والتشويق إليها .

--> ( 1 ) راجع ما ذهب إليه ابن سينا في « جامع البدائع » ص 127 ، والقاضي صاعد في « طبقات الأمم » ص 43 ، وأيضا : Walzer , R . Greek into Arabic , ''p . 15 . وما يقوله عنه مذكور من أنه « في طبه وفلسفته واثق من نفسه كل الوثوق إلى درجة لا نكاد نجدها ، فهو ينقد جالينوس في بعض آرائه ولا يتردد في أن يرفض طائفة من النظريات الأرسطية ويضع نفسه في مصاف أبقراط وسقراط . وفوق هذا لا يسلم بتلك الجملة المشهورة : « ما ترك الأول للآخر شيئا » ؛ ويعتقد على العكس أن السابقين تركوا للاحقين أشياء كثيرة ، وقد استدرك هو نفسه على القدامى جزءا من بعض أخطائهم » ( مدكور ، إبراهيم : الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه » ص 102 القاهرة 1367 ه / 1947 م ) .